تعريف الذكاء العاطفي

يمكنك القول إنك تعيش في عالم تسوده العواطف كما يمكنك القول بأننا نعيش في عالم اجتماعي. بمعنى أن أولئك الذين يتحكمون في نموهم العاطفي، هم الأكثر نجاحًا. على سبيل المثال، البائع لمنتج أو خدمة ما، هو في الأصل يبيع المشاعر حتى يشتري منه أحدهم. كما تحاول وسائل الإعلام والتلفاز والراديو وغيرها أن تحمسك وتحفزك حتى تتمكن هي الأخرى من بيع المزيد من المنتجات والخدمات. لكننا لا نتساوى في مستويات التحكم بعواطفنا، فهناك أناس، لسبب ما، يعجزون عن تنمية عواطفهم كفاية، لذا ومنذ عدة سنوات مضت، أتى الى الوجود مجال بحثي جديد في علم النفس يسمى E.I. (Emotional Intelligence) الذكاء العاطفي، بدأه دانيال جولمان بكتاب يحمل نفس الاسم. وإن أمعنا النظر في نتائج البحث الخاصة بالذكاء العاطفي في جوجل، بمفاهيمه المختلفة حول العالم، منذ 2004 وحتى 2017، نجد أن أكثر البلدان قلقًا حيال الذكاء العاطفي هي البيرو ويليها هندوراس وغواتيمالا، وتحل إسبانيا في المركز الحادي والعشرين والولايات المتحدة في المركز الخامس والأربعين من بين ست وسبعين دولة تشكل نتائج البحث في جوجل، أما المركز الأخير فهو من نصيب اليابان.
من الضروري التأكيد على أن أول عشرين مركز في البحث عن هذا المصطلح، تحتل دول أمريكية لاتينية ست عشرة مركزًا منها.
ومن الضروري أيضًا الإشارة إلى انخفاض نسبة استخدام هذا المصطلح على مستوى العالم بمرور السنوات، فقد حقق في 2012 نسبة 30% مقارنة بما حققه في 2004، ليعود ويزداد تدريجيًا حتى وقتنا هذا.
علينا الأخذ بعين الاعتبار انه جرى تعريف الذكاء على أنه القدرة على حل اختبارات “موحدة” من قبل فئة مستهدفة يحددها علم الوراثة.
يعني هذا أنه تم التحقق من الاختبار بعدة عينات قبل منحه للعامة، كما أنه يتحقق داخليًا وخارجيًا، أي أنه يقيس ما يجب قياسه وهو ايضًا مصمم خصيصًا لفئة عمرية ومجموعة محددة.
يقول دي برونو مويولي مونتينيغرو مدرب الذكاء العاطفي الخبير أن اكثر التعريفات قبولًا للذكاء العاطفي هو مفهوم دي جولمان وهو أن الذكاء العاطفي هو القدرة على معرفة عواطفنا وقبولها وتوجيهها لتركيز سلوكياتنا نحو الأهداف المرغوبة، لنحققها ونشاركها مع الأخرين.
بدأ استخدام اختبارات الذكاء في القرن التاسع عشر، وتعرضت لمعارضات كثيرة تعتبر أنه من “غير العادل” تقييم شعب بأكمله بناء على “نفس المعايير”.
حدث جدل واسع في بداية القرن المنصرم بسبب الدراسات التي أجرتها القوات المسلحة لتدرس العلاقة بين الذكاء والأعراق، أي أنهم حللوا نتائج اختبارات الشعب الأمريكي وإن كان الشخص ابيض البشرة أم اسود وبين السكان الأصليين والمهاجرين، وخلصوا إلى أن أصحاب البشرة البيضاء من السلالات الأنغلوسكسونية حققوا أعلى النتائج من بين باقي الفئات العرقية، كما حققوا نتائج أفضل من المهاجرين الذين لم تكن الإنجليزية هي لغتهم الأم. وحث كل هذا سياسة التعليم على تعويض الفارق بين الأعراق.
وجدت دراسات لاحقة أدلة على “فشل” الاختبارات التي استخدمت، والتي لم تحتوي على المصطلحات التي تستخدمها الفئة المستهدفة والتي كان من المقرر تحليلها، أي أن أوجه القصور التي وجدت في الفئات المستهدفة، كان سببها عدم فهم أسئلة الامتحان وليس عدم القدرة أو المعرفة اللتان كان من المقرر اختبارهما، وأدى هذا إلى تعديل الاختبار وفقًا لمن يتم اختباره.
ومع هذا، فإن اختبار الأي كيو (أو معامل الذكاء) ما زال وسيلة قياس للقدرة على حل سلسلة من الاختبارات صممها علماء نفسانيون، وتتبع قواعد صارمة وضعها علم القياسات النفسية (علم القياسات) حتى تكون النتائج صحيحة ومحل ثقة لدى من يتم اختبارهم.
وبفضل هذا، يمكن توقع نسبة النجاح الدراسي لدى الطلبة وأيضًا مستقبلهم المهني قبل أن يدركوا مهاراتهم وإمكانياتهم حتى، ويستخدم ايضًا في مجال توظيف الأشخاص، إذ يساعد في العثور على المرشح الأمثل لكل وظيفة، حتى لو لم يكن الأكثر تأهيلًا أو الأكثر خبرة.
لذا تم اتقان علم القياسات النفسية على مر السنين حتى يكون علمًا جديرًا بالثقة، لذلك تقرر الشركات “مستقبلها” وفق نتائج الاختبارات التي يجريها قسم الموارد البشرية لديها.
وكما قيل حتى الأن، فإن موضوع تقييم الذكاء هو موضوع مثير للجدل، من ناحية التعريف ومن ناحية كيفية تطبيقه في المجتمع. هناك العديد من الناس يعتقدون أن هناك نوع واحد من الذكاء، وعليه إما أن تكون ذكيًا أو لا، وإن كنت كذلك، فأنت “مثل البقية”، أنت تحت المتوسط أو فوقه، وإن كنت فوقه، تكون اذكى من البقية وأكثر موهبة وعبقرية، وتختلف عنهم بدرجات مختلفة. كان ليكون الأمر كذلك إن كنا لا نزال نستخدم الطراز القديم من الذكاء، والذي لم يعد مستخدم أبدًا.

في العقود الأخيرة، كان مفهوم الذكاء موضع شك، وأنه ليس وحدة واحدة بل يوجد عدة ذكاءات: الذكاء المكاني والذكاء اللفظي والذكاء الرياضي والذكاء الموسيقي، إلخ.
إذ يمكن لشخص بقدرات عالية في الموسيقى أن يكون عظيمًا مثل “شوبان” أو “موزارت”، لكن نجمه لن يسطع إذا تعامل مع عمليات التكامل والمشتقات وعلم المثلثات مثلًا.
شيء اخر مختلف وهو “العبقرية”، وهي القدرة على التميز في عدة ذكاءات، على رغم من عدم وجود توافق علمي لإثبات هذا التميز.
جانب أخر وهو التبعيات المجتمعية اتجاه أولئك الموهوبين، فقد “يخشاهم” البعض أو “يتجاهلهم” البعض الأخر، استثمرت بعض البلدان جهودها لسنوات في فحص سكانها، بمعنى أنهم وزعوا اختبارات الذكاء في جميع المدارس ليعثروا على هؤلاء “العباقرة المحتملين”.
وبالمثل، الجامعات وخصوصًا تلك التي في المراكز الأولى على مستوى العالم، تكتشف أولئك الطلبة الذين يتميزون في المرحلة الثانوية ويقدمون لهم شتى الحوافز، لأنهم يعرفون أن الكثير من أولئك الطلبة قد ينتهي به المطاف ليصير أستاذًا جامعيًا أو باحثًا في تلك الجامعات مستقبلًا.
وكما علقنا على أهمية اختبار الذكاء المعروف باسم أي كيو، لقدرته على توقع المستقبل الدراسي للطالب وانجازاته المهنية منذ الصغر، ويسمح “باختيار” أولئك الذين سيصيرون أكثر “إنتاجية” للمجتمع ويفصلهم عن الأخرين الذين لن يحققوا نفس الإنتاجية.
وقد رفضه جزء كبير من المجتمع، وهو جزء يرى أن ذلك الاختبار “يدين” أولئك الأقل ذكاء ويصنفهم على أنهم ضعفاء، فقط لأنهم لن يكونوا بنفس إنتاجية الأخرين.